محمد سعيد رمضان البوطي

133

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

يؤدي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما يعلمون من صدقه وأمانته . وأمر أبو بكر ابنه عبد اللّه أن يتسمّع لهما ما يقوله الناس عنهما في بياض النهار ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون معه من الأخبار . وأمر عامر بن فهيرة ( مولاه ) أن يرعى غنمه نهاره ، ثم يريحها عليهما إذا أمسى ، إلى الغار ( غار ثور ) ليطعما من ألبانها ، وأمر أسماء بنته أن تأتيهما من الطعام بما يصلحهما في كل مساء . وروى ابن إسحاق والإمام أحمد ، كلاهما عن يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : « لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخرج معه أبو بكر ، احتمل أبو بكر ماله كله معه : خمسة . آلاف درهم أو ستة آلاف درهم ، قالت : وانطلق بها معه » . قالت : « فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال : واللّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قلت : كلا يا أبت ، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا ، قالت : فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ، ثم وضعت عليها ثوبا ، ثم أخذت بيده ، فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا المال . قالت : فوضع يده عليه قال : لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم . ولا واللّه ما ترك لنا شيئا ولكني أردت أن أسكت الشيخ بذلك » « 55 » . ولما كانت عتمة تلك الليلة التي هاجر فيها النبي صلّى اللّه عليه وسلم اجتمع المشركون على باب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتربصون به ليقتلوه ، ولكنه عليه الصلاة والسلام خرج من بينهم وقد ألقى اللّه عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليا رضي اللّه عنه في مكانه نائما على فراشه ، وطمأنه بأنه لن يصل إليه أي مكروه . وانطلق رسول اللّه وصاحبه أبو بكر إلى غار ثورليقيما فيه ، وكان ذلك على الراجح في اليوم الثاني من ربيع الأول الموافق 20 أيلول سنة ( 622 م ) بعد أن مضى ثلاث عشرة سنة من البعثة ، فدخل أبو بكر قبل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم فلمس الغار ، لينظر أفيه سبع أو حية ، يقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بنفسه ، فأقاما فيه ثلاثة أيام ، وكان يبيت عندهما عبد اللّه بن أبي بكر يخبرهما بأخبار مكة ، ثم يدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها ، وكان عامر بن فهيرة يروح عليهما بقطعة من الغنم ، فإذا خرج من عندهما عبد اللّه تبع عامر أثره بالغنم كي لا يظهر لقدميه أثر .

--> ( 55 ) سيرة ابن هشام : 1 / 488 وترتيب مسند الإمام أحمد : 20 / 282